فصل: الآية الخامسة عشرة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الآية الخامسة عشرة:

قوله تعالى في هذه السورة: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} البقرة: 172- 173.
وجاء في ثلاثة مواضع بعده: {وما أهل لغير الله به} أولها في سورة المائدة، [الآية: 3]: {حرمت علكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به}.
والثاني في آخر سورة الأنعام الآية: 145: {قل لا أجد فيها أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مفسوخا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به}.
وفي سورة النحل الآية: 115: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به}.
فجاء في المواضع الثلاثة {به} مؤخرة عن قوله: {لغير الله} وفي الموضع الأول من سورة البقرة مقدمة على قوله: {لغير الله}.
للسائل أن يسأل فيقول: لم أختلف الموضع الأول مع المواضع التي بعده؟
والجواب أن يقال: أما الموضع الأول فإنه جاء على الأصل الذي يقتضيه حكم اللفظ، لأن الباء التي يتعدى بها الفعل في هذا المكان من جملة الباءآت التي كحرف من نفس الفعل، تقول: ذهبت بزيد، ثم تقول: أذهبت زيدا، فتصير الباء كالهمزة المزيدة في بنية الفعل، فيجب لذلك أن تكون أحق بالتقديم، وما يتعدى إليه الفعل باللام لا تتنزل لأمة منزلة الحرف من نفس الفعل فصار قوله: {أهل بغير الله} بمنزلة ذبح لغير الله مسمى عليه اسم بعض الآلهة.
فلما كان هذا الأصل في الأول جرة الآية عليه، ولما كان الإهلال بالمذبوح لا يستنكر إلا إذا كان لغير الله، كان ما عدا الأصل بالتقديم المستنكر أحق وأولى.
ألا ترى أنهم يقدمون المفعول إذا كانوا ببيانه أعنى، فيقولون: ضرب زيدا عمرو، فيقدمون المفعول على الفاعل، لأن الاهتمام بأمره أتم، لأن هذا ينفي به ما في وهم متوهم، أو قول قائل: ضرب زيد محمد، فيقع الخلاف في المفعول لا في الفاعل، فيقول المنكر لذلك صحة ما عنده: ضرب عمرا زيد لا محمد، فإن ترك قوله: محمد كان مكتفيا عنه بتقديم المفعول.
وكذلك ما ينكره من الفضلات كالظرفين والحال، فقال المخاطب لو توهم: ضرب زيد عمرا اليوم، فقال المنكر: ضرب أمس زيد عمرا، فقدم أمس على الفاعل والمفعول به، لأنه هو الذي ينكره ويمنع أن يكون على ما توهمه، والباقي من الكلام ليس فيه ما يستنكره، فالعناية بتقديم ما يزيل الشك عنه أتم، وهو بالتقديم أحق، وكذلك قوله تعالى: {وما أهل لغير الله} مع قوله: {وما أهل لغير الله به} في هذه الآي الثلاث.

.الآية السادسة عشرة:

قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173].
وقال في سورة الأنعام: الآية: 145: {فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن ربك غفور رحيم}.
وقال في سورة النحل: 115: {فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن الله غفور رحيم}.
للسائل أن يسأل فيقول: هل لاختلاف هذه الألفاظ التي أتعبت قوله: {فمن اضطر غير باع ولا عاد} معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به؟ والجواب أن يقال: قصد الله تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناوله من المحرم الذي يمسكه به رمقة، فذكر في الموضعين الأخيرين: {فإن ربك غفور رحيم} و{فإن الله غفور رحيم} فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى تناول المحرم في حالته، والموضع الأول بدا فيه بصريح اللفظ في إسقاط الإثم فقال: {فلا إثم عليه} ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة.
وفي هذه الآي الثلاث سؤال آخر، وهو أنه قال في الأولى: {إن الله غفور رحيم} وفي الثانية: {فإن ربك غفور رحيم} وفي الثالثة: {فإن الله غفور رحيم} فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر الله تعالى فائدة؟ ولاختصاصه في الآية الثانية بقوله: {فإن ربك غفور رحيم} وعدو له عن ذكر الله تعالى إلى ذكر ربك فائدة تخصصه بمكانه؟
والجواب عن ذلك أن يقال: لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه، فأما الأول فلأنه لما قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم}.
كذا، كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته، لأن الإله هو الذي تحق له العبادة بما له من النعمة، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله: {إن كنتم إياه تعبدون} وختم الآية بأنه قال: {إن الله غفور رحيم} أي: إن من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرم عليكم في حال الاختيار، رحيم بكم.
وكذلك الآية الثالثة مبينة على مثل هذا، لأن أولها: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} [النحل: 114] فكان مشبها لما قدمنا ذكره فقال: {فإن الله غفور رحيم}.
وأما الثانية فلأنه قدم ذكر أصناف ما خلقه الله تعالى لتربية الأجسام، فقال: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} فذكر الثمار والحب وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم خص هذا الموضع بذكر الرب لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب فكان هذا أليق بهذا المكان. والله أعلم.

.الآية السابعة عشر:

قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}. البقرة: 174.
وقال في سورة آل عمران آية: 77: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إلهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}.
للسائل أن يسأل فيقول: إن الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر النبي من كتابهم المنزل عليهم من التورات والإنجيل، والتوعد في الموضعين مختلف، والكبير واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين.
الجواب أن يقال: الوعيد في كل مكان من المكانين حسب ما ذكر من عظيم الذنب وكبير الجرم، فقال في سورة البقرة: 174: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} فوصفهم بأنهم خالفوا الله في أمره ونقضوا ما قدم إليهم من عهده، حيث قال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] فهؤلاء لم يبينوا وكتموا فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه ثم قال: {ويشترون به ثمنا قليلا} أي: نصيبا يسيرا من الدنيا، فجاء على هذا أغلظ الوعيد، وهو قوله: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} أي: هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا من مطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم قال: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي: ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل الله كلام أو سلام كما قال في أوليائه: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44] ثم قال: {ولا يزكيهم} أي لا يطهرهم مكن الذنب الكفر بالعفو عنهم، {ولهم عذاب أليم} ثم قال: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 175]، فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم، وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها.
فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمانه، والإعراض عن تبيين ما وجب بيانه.
الآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية قال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو: {يشترون به ثمنا قليلا} فقرن به من الوعيد أقل مما قرنه بالآية الأولى، وهو أن قال: {لا خلاق لهم في الآخرة} أي: لا نصيب لهم من الخير، و{لا يكلمهم الله} كما يكلم أولياءه {ولا ينظر إليهم} نظرة رحمة {ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}.

.الآية الثامنة عشر:

قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187].
وقال في موضع آخر من هذه السورة: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229].
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله: {فلا تقربوها} والموضع الثاني بقوله: {فلا تعتدوها}؟
الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال: {ولا تقربا هذه الشجرة} [البقرة: 35]، وإنما كان نهي عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج مخرج قول القائل- إذا نهى عن الشيئ وشدد الأمر فيه-: لا تقرب هذا الشيئ، وما أحسن ما قال النبي في المنع من مقاربة الحرام: «من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، وكما روي عن بعض الصالحين أنه قال: «إني لأحب أن يكثف الحاجز بيني وبين ما حرم الله».
فلما كان هذا الموضع الأول نهيا عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في المساجد صار فيه تحذير من دواعي المواقعة فاقتضى من المبالغة ما لم يقتضيه قوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229]، فكأنه قال: لا تتجاوزوها، يعني المرأة إذا افتدت بمهرها وخالفت زوجها لم يكن عليها إثم. وهذه حدود نهي عن تعديها.
والحدود ضربان، حد هو منع من ارتكاب المحظور، وحد هو فاصلة بين الحلال والحرام، فأول ينهى عن مقاربته والثاني ينهي عن مجاوزته، وهما المذكوران في هذه السورة.

.الآية التاسعة عشر:

قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193].
وقال في سورة الأنفال الآية: 39: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعلمون بصير}.
للسائل أن يسأل فيقول: لأي فائدة قال في هذه السورة: {ويكون الدين لله} ولم يأكده، وعقبه بقوله: {فلا عدوان إلا على الظالمين} وقال في سورة الأنفال: {ويكون الدين كله لله} فأكده واتبعه بقوله: {فإن الله بما تعلمون بصير}؟
الجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية الأولى من سورة البقرة جاءت في قتال أهل مكة، ألا ترى ما قبلها: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} [البقرة: 191]، ثم قال: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191]، وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل الشرك، وهم نازلو الحرم، فاقتصر على الدين من غير توكيد على معنى: حتى يكون الدين حيث هؤلاء، ولا في كل مكان، لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدين في كل بلاد.
وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} أي: انتهوا عن كفرهم فلا عدوان عليهم، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم الجهالة.
وأما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين، ألا ترى أن قبل الآية: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38]، وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة، فإذا كان كذلك، وقال بعده: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: لا يكون شرك وكفر، اقتضى هذا أن يكون بعده: {ويكون الدين كله لله} فأمروا بإبطال كل كفر قدروا عليه، واتبعه قوله: {فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير} أي: إن انتهوا وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم عن قتالهم بما يظهرون من الإسلام فإن الله يعلم عملكم وعملهم على القرائين جميعا، فيكون الخطاب للمقاتلين، ولفظ المغايبة للمقاتلين.
ويمكن أن يقال إن الخطاب في: {تعلمون} يشمل الكل، لأنه قال: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فكلهم قد صاروا مؤمنين، فلا جرم ضمنهم خطاب واحد، وأعلمهم أنه مجازيهم على عملهم، مطلع على سرائرهم، يعلم من كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر، فسوى بين السر والجهر، فاللفظة في ضمنها- إذا وردة من القادر الحكيم- غاية التخويف والوعيد في العقاب الأليم، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي الطاعة والعصيان، فهذا وجهه. والسلام.